"كيف أفهم نفسي "



إن النفس البشرية على قدر من التعقيد يختلف من شخص لآخر


و لكن هناك أسساً لعمل أي نفس . لذا كان لزاماً على كل عاقل أن يترصد لنفسه


ليكشف ألاعيبها و يحترس من شرورها و يؤدبها


حتى يكون من الذين قال الله تعالى فيهم


" قد أفلح من زكاها " الشمس 9



و فيما يلي سنتناول هذه النقاط :



- أبعاد النفس البشرية


- عوامل مؤثرة في تكوين النفس


- مكر النفس


- كيفية التعامل مع النفس


- نفسك وسط النفوس





1.أبعاد النفس البشرية :



هناك تقسيمات عدة للنفس البشرية ,


منها تقسيم فرويد عالم النفس اليهودي الأصل المشهور


و إن كنت أصلاً لا أعتد ببعض نظرياته و لا أؤمن بها


و كذلك جل علماء النفس الغربيين


لإعتمادهم في الأصل على أفكار إلحادية لا تؤمن بوسوسة شيطان و لا هداية رحمن


إلا إني أرى أنه كان موفقاً في هذا التقسيم


وهو أن النفس البشرية الواحدة لها ثلاث أبعاد



الهوى : وهو ما يعرف بالغرائز الفطرية للنفس


وهي في مصطلحنا الإسلامي ما يعرف بالشهوات و الهوى ,


و منها ما هو خاص بالجسد كالأكل و الشرب


و منها ما هو خاص بالنفس كحب الذات و حب الرفعة و الرياسة و الحسد و الأنانية


أو منها ما هو إيجابي ككراهية الظلم و حب الناس و حب الأم لأولادها و حب الأبناء لوالديهم


و تختلف حدة هذه الشهوات و الأهواء من شخص لآخر حسب العوامل المؤثرة في نفسه


و تميل النفس دائماً إلى هواها فما يوافقه تفعله بسلاسة و سهولة و لا يشق عليها


و ما لا يوافق هواها تعاني فيه و ترفضه و يشق عليها فعله



الأنا الأعلى : و هو الصورة المثالية التي يطمح الإنسان أن يصل إليها


وهي تحمل كل ما رسخ في ذهنه للكمال أو الأفضلية


و صوتها وقوتها في النفس هو الضمير .


وهي في شرعنا ينبغي أن تكون ما أمر الله به و رسوله


ممثلة في هدي النبي المختار


و هي شيء في العقل الباطن للإنسان ينعكس على تصرفاته ,


يعني لو حلف إنسان مسلم أنه يحب الله و رسوله


ثم ذهب يقلد الكفار و يستحسن صنيعهم


و يرى أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا ,


فأيهما نصدق ؟


قد رسخ في ذهن هذا ما نجح الغرب الكافر في ترسيخه


عن طريق الإعلام وتغيير العادات من انهم هم الأفضل


فذهب يلهث و راءهم .



أما البعد الثالث فهي الأنا :


و هي واقع النفس بين شهواتها و مثلها الأعلى ,


فهي تقع بين قوتين


قوة رغباتها و قوة طموحها ,


فرغباتها تدعوها للكسل و الميل للدونية غالباً


و طموحها يسعى للكمال ,


فأيهما كان أقوى مالت إليه و ظهر ذلك عليها .





2.عوامل مؤثرة في تكوين النفس :



إن النفس البشرية بأبعادها الثلاثة


هي نتاج عدة عوامل تبنيها لبنة لبنة على مر السنين



من هذه العوامل و أهمها على الإطلاق


هداية الله عز وجل


و كفى به من قول قوله تعالى


" من يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فأولئك هم الخاسرون " الأعراف 178



طبيعة خلقة الإنسان و كيمياء جسده


كزيادة بعض الهرمونات و نقص بعضها كالأدرينالين و إفراز الغدة الدرقية و نحو ذلك


و إن كان تأثير هذا الأمر ليس بالشديد


إنما يعطي فقط المظهر الخارجي للشخصية


من هدوء و نشاط و حدة و لين و غيره .



الأسرة و التربية


فالإنسان في مرحلة الطفولة تتكون عنده أغلب أساسيات مبادئه ,


أعني أنه لو تربى على أن الدين شيء له هيبة و عظمة


ربما كان ذلك سبباً في التزامه حتى إن و جد في والديه التقصير


إلا أن هيبة الدين في نفوسهم انتقلت لإبنهم .


و في ذلك قال تعالى "


و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله و ليقولوا قولاً سديدا " النساء 9



المدارس


من أهم ما يؤثر في الأبناء


لذا إذا ألحقتي طفلك بمدرسة أجنبية تنصيرية


فلا تلومن إلا نفسك


عندما ينضم في كبره إلى جماعة علمانية ملحدة أو تنصيرية .


و قيسي على ذلك باقي المدارس



وسائل الإعلام


وهي خطر جسيم و بلاء عظيم تدس في أذهاننا يومياً مئات و مئات من التناقضات المربكة .


فلننتبه لما نشاهد نحن و ما يشاهد أبناؤنا .


و الحذر الحذر من الوقوع في شراك الكفرة


الذين يصورون لنا جحيمهم على أنه الفردوس المفقود


ليس إلا ليسودوا علينا بعقولنا


فيملكونا اختياراً لا إجباراً .



و أخيراً الأصدقاء


و كلنا يعرف قوله صلى الله عليه و سلم


" الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " الترمذي / حسنه الألباني




3.مكر النفس :



و للنفس- خصوصاً البعد الخاص بالغرائز و الشهوات-


مكر و حيل للوصول إلى مرادها


ينبغي أن يحترس منها الإنسان


و أن يجعل مقياسه في ذلك شرع الله لا هواه و شهواته



ومن أمثلة مكر النفس :



عدم اعترافها بخطئها أو حتى مجرد التقليل من شأن الأخطاء إن اضطرت للاعتراف بدافع من الضمير



خلق الأعذار لها



المبالغة في أخطاء الغير



تضخيم احتياجاتها و رغباتها و إقناع الضمير بضرورة الوصول إليها




الكسل و التسويف



وكل منا عليه أن يتعرف بضميره على مكر نفسه


فلكل منا رغبات و أهواء تختلف عن الآخر


لا يعرفه إلا هو


لذلك ينبغي أن يتحلى الإنسان مع نفسه


بالصراحة و الصدق




4.كيفية تربية النفس :



و على الرغم من كثرة العوامل المؤثرة في النفس


إلا أن إمكانية تهذيبها و إصلاحها ممكنة


و لكنها تحتاج لعزيمة و صبر و مثابرة و نبذ اليأس


تماما كتربية الطفل المتمرد


بل أصعب


فإنك حين تربي طفلاً تتعامل مع صفحة بيضاء


و لكن حين تربي نفسك تمحو ما قام بكتابته الآخرون


ثم تعيد كتابة ما يرضي الله عز و جل



وتتلخص التربية عموماً سواء تربيتك لنفسك أو لغيرك


في تقوية الضمير


و هو المعروف شرعاً بتقوى الله عز و جل


أما السبيل إلى ذلك مع نفسك


بأن لا تغفل عن محاسبة نفسك


و لا تتهاون في ذلك


و تراقبها في كل أفعالها


و تعرضها دوماً على ما سن الله لها من قانون


و حملها على ما لم تعتاده من طاعات


لذلك جعل الله ما هو فرض على كل المسلمين فعله


و سنة لمن يحب ان يرتقي


و ذلك مراعاة من الله للفروق الفردية في القدرات ,


و الناس في ذلك بين مقل و مستكثر .





5.نفسك وسط النفوس:



و لما كان الإنسان كائناً اجتماعياً لا يستطيع العيش بمفرده


كان عليه لزاماً أن يعرف كيف يتعامل مع النفوس المحيطة به و كيف ينظر إليها



اعلم أن العالم المحيط بنا


يختلف باختلاف من ينظر إليه


لذا لا ابالغ إن قلت لك أن كل نفس بشرية


هي عالم في حد ذاتها


فلا تطبق عالمك أنت و ما تراه في نفسك


على من حولك


و لا تحاول أن تفهمهم كل الفهم


لأنه أمر مرهق لا طائل من ورائه


لذا


عليك بظاهر أفعالهم ,


و لا تستسلم للتخيلات و الافتراضات التي ترسمها نفسك عن شخصية من حولك


لأنه مهما كنت قريباً منهم فلن تلم بكل ما أثر في تكوين شخصيتهم .


فغالباً ما سترسمهم لك نفسك في أقرب خلاف لك معهم على أنهم أسوأ البشر


و تسرد لك على ذلك أدلة غالباً ما تكون و همية


ومع ذلك لا أنكر الحدس و الفطنة عند بعض الناس


و لكنهما لم و لن يكونا عامل بات و قاطع في الحكم على الناس .


لذلك عليك بالامتثال لما شرعه الله في التعامل مع الناس


فمن أمرك الله ببره كالوالدين و الزوج و الأرحام فبره


و لا تنظر من هو


و لكن فقط امتثل لأمر الله


فالله عز و جل يرى أن الأصلح لك أن تبره و لو لم يستحق هو ذلك


و ليس الأمر بالمثل إنما هو أمر فعليك الإمتثال .


و من أمرك الله بكرهه و عدم موالاته كالكفار فلتكرهه من قلبك


و إن وجدت فيه بعض الصفات الحميدة


لأنه أتى بأشنع ظلم


و أكبر جحود


ألا وهو الكفر


أما باقي الناس فتطبق عليهم قاعدة الولاء و البراء


فيحبوا من وجه إسلامهم لله عز و جل و تبغض معاصيهم .


أي أن مقياسك في محبة أي إنسان


بعد من أمرك الله ببره و من أمرك بكرهه ينبغي أن يكون مدى امتثاله لشرع الله


لا مدى حبهم لك


و لامدى نجاحهم في الدنيا


و لا مستواهم الاجتماعي


و لا أي مقياس آخر .