بالبحث والتنقيب, تتكشف لنا كنوز ودرر ومهارات موجودة في تاريخنا العربي والإسلامي، حيث برع المؤلفون في تأليف كتبهم ووضعها بهذه الطرائق البارعة، منذ عصر تدوين السنة مرورًا بأئمة الفقه والتفسير، وزمن شيخ الإسلام وطلابه ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي وابن رجب حتى القرون المتأخرة؟

ويرى د. عبد الله بن مبارك آل سيف (الأستاذ المشارك بكلية الشريعة بالرياض): هذه المهارات كان لها مظاهر: منها ابتكار علوم جديدة لم تعرف من قبل وتأصيلها, وابتكار مخترعات جديدة في عصرهم ترتب عليها صناعات مذهلة في زمانهم، كما نمت ملكة النقد العلمي الهادف المبني على الدليل, وظهر ذلك في نقض المنطق اليوناني ونقد العقائد الباطلة والتيارات المنحرفة، وظهور مهارات المناظرة والحوار العلمي، والتفنن في التأليف بطرق غير مسبوقة مثل كتاب العين للخليل وغيره ومثل ابتكار علم العروض وتدوين أصول الفقه والنحو وعلم الصرف وغيرها.

وجاءت إجابة د. أحمد الحارث البزوي الضاوي وهو أستاذ التعليم العالي بجامعة شعيب الدكالي الجديدة متممة ومهمة وتأصيلية، فقال: "ابتكرت الحضارة العربية الإسلامية نماذج تعليمية، وطرقًا تربوية مهمة من حيث التكوين، والتأطير، وإعادة التكوين والتدريب، بل نجد عندهم ما يمكن تسميته بالتكوين المستمر، والتعلم الذاتي، ولعل مراجعتنا لفهارس العلماء وبرامجهم تجعلنا نقف على حقائق مذهلة، يمكنها أن ترشد أساليبنا التربوية، وأن ترفع من مستوى تعليمنا".

إن العلم عند المسلمين أخذ مسارين:

أ*- التوثيق: نقد السند والمتن "التحقيق".
ب*- الفهم: إعمال الفكر والنظر في النصوص قصد استنباط الحكم والحكمة.

ويتم أخذ العلم بطريقين:

أ*- السماع.

ب*- العرض.

ومن ثم فهو عملية تعلم مقصود ومنظم وليس تلقائيًا، وفي ذلك تسريع لعملية تناقل المعارف والمعلومات وتنميتها.

ولعل رجوعنا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها, ثم أداها إلى من لم يسمعها, فرب حامل فقه لا فقه له, ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" تبين كيف استفاد المسلمون من حديث رسول الله.

مقومات العلم:

أ*- معرفة مصادر المعلومات.

ب*- حفظ المعلومات.

ت*- فهم المعلومات.

ث*- سرعة تداول المعلومات.

ج*- إنتاج المعلومات.

ومن ثم كان ذلكم الحرص على توثيق المعلومات توثيقًا علميًا دقيقًا فأنتجوا علم مصطلح الحديث, وعلى فهم المعلومات فأنتجوا أصول الفقه وعلم التفسير وفقه الحديث، وعلى معرفة المصادر فأفردوا كل باب من أبواب العلم بكتب خاصة، يتم الرجوع إليها حيث المعلومة الموثقة، والفهم السليم، والتصنيف البديع، وبذلك أصلوا قاعدة مهمة من قواعد البحث العلمي ألا وهي أصالة المصادر والمراجع، حيث تؤخذ المعلومات من مظانها. كما ابتكروا المعاجم اللغوية والاصطلاحية، ومعاجم البلدان، وكتب الأعلام والرجال، كما عملوا على نشر العلم بالكتابة والتدريس، والرحلة, فمكنهم حرصهم على سرعة تداول المعلومات على الإبداع والابتكار.

وتعلم المسلمون من القرآن الكريم أن العلم هو القدرة على البرهان: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"(البقرة)، كما أخذوا بالدليلين القرآنيين: دليل الأنفس البحث في الإنسان فأنتجوا العلوم الإنسانية، والبحث في الطبيعة فأنتجوا العلوم الطبيعية، وذلك حتى يكون إيمانهم مؤسسًا على العلم والمعرفة، وفيه كذلك التوجيه النبوي: "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله"[1], حيث أرشدهم إلى إعمال عقولهم في الإنسان والطبيعة لأنهما نسبيان وهم مؤهلون للبحث فيها، أما البحث في الغيب فإنه مطلق متعال عن الزمان والمكان، ومن ثم فهو يتجاوز إمكانياتهم, والبحث فيه منتهى ما ينتهي إليه هو الحيرة والشك، وبهذا التوجيه النبوي الرشيد استفاد المسلمون مرتين وذلك من باب اقتصاد المجهود, وهو من حسن التدبير، حيث أقاموا إيمانهم على البرهان العلمي، وفي الوقت نفسه تمكنوا من اكتشاف سنن الله في الخلق، فامتلكوا القوة المذخورة في الطبيعة، مما مكنهم من عمارة الأرض والسعي فيها إصلاحًا لا إفسادًا وذلك أحد أسباب خيريتهم.

وذكر الضاوي تعدد الأساليب والمهارات قائلًا: "كما تعلم المسلمون من رسول الله آداب التعلم، وطرق التعليم الناجحة, كاستخدام الأسلوب العملي في التعليم, وهو نوع من التدريب (حديث المسيء في صلاته), والتعليم بالمحاكاة (صلوا كما رأيتموني أصلي), و(خذوا عني مناسككم), واستنصات المتعلم والحث على الاستماع, واستخدام طريقة التعليم القصصي، وضرب الأمثال، والحوار والإقناع (طالب الزنا), واستخدام أسلوب التقسيم في التعليم (حديث السبعة الذين يظلهم الله بظله) استعمال وسائل الإيضاح: الرسوم التوضيحية (حديث الأجل), ومراعاة الفروق الفردية ومن ثم النهي عن مخاطبة الناس بما يتجاوز قدراتهم العقلية وهو في اعتقادي نوع من تفريد التعليم