يحب الإنسان رفع الجهل عن نفسه، وحب الاستطلاع وإضافة الجديد من المعلومات والمعارف إلى خزينته الذهنية في شتى أمور الحياة ومناحيها، وهو شرف عظيم؛ فطالب العلم أمر بالازدياد منه كما في القرآن الكريم.

ومع ذلك الشرف وتلك الرغبة العظيمة ينبغي ألا تأخذنا كثرة ما تنتجه المطابع والمؤسسات الصوتية من كتب وأشرطة متنوعة، ولا بد من الإحاطة بالعلم أولاً بمعرفة مبادئه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: " العلم كثير ولن تعيه قلوبكم، فاتبعوا أحسنه".

وفي سبيل الاطلاع على تجارب الآخرين ممن سبقونا, طرحنا سؤالاً على عدد من الأكاديميين والعلماء: "هل تنمية التفكير والبناء العلمي كان لها تاريخ في العصور القديمة، وهل كان للقرون السالفة والعصور البشرية القديمة اعتناء بهذا الأمر؟".

فقال د. عبد الله مبارك آل سيف (الأستاذ المشارك بكلية الشريعة بالرياض): في عصر الجاهلية قبل الإسلام لم يعرف للعرب عناية بهذا الأمر، حتى جاء الإسلام ونمى عندهم الاهتمام بالعلم والتأصيل العلمي في كافة العلوم، وفي عصر الإغريق كان أرسطو وأفلاطون وسقراط يهتمون بتنمية ملكة التفكير لدى طلابهم في العلوم المتاحة في زمانهم.

وهذه المسألة كان لها عناية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده ثم في عصور التابعين، أما في عصر النبوة فكان عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه وهو يعرف الجواب لتحريك أذهانهم وتنمية ملكات التفكير كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر في حديث النخلة.

أما في القرآن الكريم فإن الدعوة للتفكير وردت في مواضع متعددة، فقد وردت كلمة التفكر في أكثر من تسعة عشر موضعاً، والعقل في 49 موضعاً, والفقه في عشرين موضعاً, وقد عني الصحابة رضي الله عنهم بذلك وسار تلاميذهم من التابعين على هذا النهج, وقد نشأت مدرسة الافتراضات الفقيهة في الكوفة والتي كانت تستبق الأحكام قبل نزولها وتناقش حكمها, ولا زلنا نستفيد من افتراضاتها حتى اليوم في النوازل المعاصرة، بل ونشأت العلوم التي تنمي الملكة الفقهية مثل علم الألغاز وعلم الأصول والمقدمات المنطقية وغيرها, وكان العلماء يعتنون بتنمية مهارة الطالب من خلال الأسئلة والأجوبة والاختبارات الذهنية.

وأضاف الشيخ فهد العيبان: "لا شك أن التاريخ البشري وقع فيه اعتناء بالبناء الفكري والعلمي على مراحل، وما يعنينا هنا هو التاريخ الإسلامي فقد كان للمسلمين علامة بارزة في البناء العلمي؛ وذلك متمثل في المدارس العلمية التي نشأت مع أول ظهور الإسلام بداية بالمعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه حين كان في مكة في دار الأرقم، ثم توالت مدارس العلم والبناء العلمي في المدينة وحلقات العلم التي كان يعقدها لتعليم أصحابه وتلقينهم كما في قصة بسط رداء أبي هريرة في الصحيح, ثم جاء أصحابه من بعده فتفرقوا في البلدان ونشروا العلم فكانت لهم مدارس مشهورة في ذلك، ثم جاء من بعدهم التابعون فاستمرت مدارس العلم في عصرهم وتوسعت في بلدان كثيرة كمصر والشام والمغرب العربي وبلاد فارس وغيرها، ومن مظاهر هذا الاعتناء بالبناء العلمي ما كان يقيمه الخلفاء والسلاطين المسلمين من مدارس اشتهرت في الشام ومصر والحجاز وقام عليها علماء كبار وتنتمي هذه المدارس لمذاهب عدة، كل ذلك يدل دلالة واضحة على العناية الفائقة بالبناء العلمي".

أما د. أحمد الحارث البزوي الضاوي (أستاذ التعليم العالي بجامعة شعيب الدكالي الجديدة) فقد تطرق للحقائق القرآنية والنبوية، حيث قال: "إن هذا السؤال يوجب علينا البحث في علم جديد بالنسبة للدراسات القرآنية خاصة، والدراسات الإسلامية عامة، وهو ما يمكننا الاصطلاح عليه بعلم الإناسة القرآني حيث يتم دراسة تاريخ الأجناس البشرية انطلاقاً من رؤية قرآنية تختلف عن الدراسات الوضعية المتأثرة بنظرية التطور الداروينية، والتي هي جزء من الأوبئة التي أصابت الفكر البشري، ولوثت المجال العلمي والمعرفي، وقد أصابنا منها الشيء الكثير؛ إذ أضحينا نفكر بالمنطق نفسه، فلا نتصور الحياة قديماً وحديثاً وفي مختلف المجالات إلا رقياً وتطوراً من الأسوأ إلى الأحسن، ولا نتصور إمكانية حدوث العكس حيث التطور من الأحسن إلى الأسوأ، وهو أمر وارد، بل هناك من الأبحاث في العلوم الطبيعية ما يؤكده، وصدق ربنا إذ يقول:{ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين}[1] وكما يؤكده الدعاء المأثور: (اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء).كما تؤكده واقع الحياة، والمشاهدات المتواترة.

إننا لو قلبنا المسألةـ وهذا الأمر من صميم نقل الخبرات إلى الأجيال الصاعدة، إذ يبرز لها أهمية الرؤية العلمية، أي زاوية النظر التي ننظر من خلالها للأشياء و القضايا، وهي ما يمكن الاصطلاح عليه بالأطروحة أو الإشكال العلمي أو المنهجي ـ لتغيرت نظرتنا إلى الأشياء، التي تركز على الآني، وتتجاهل الصيرورة و التطور بعيد المدى، فوقعنا أسرى ما يصطلح عليه بنظريات الحالة الراهنة، حيث انعدام الأفق النظري. خلافا للرؤية القرآنية البعيدة المدى، التي تجعل الإنسان يؤمن بالله الواحد الأحد، الأول والآخر، الظاهر والباطن، المطلق المتعالي عن الزمان والمكان، فتجعل الإنسان في حياته مشدوداً إلى المطلق في بعديه: الجلال و الجمال، مما يجعل رؤيته للعالم رؤية شمولية وبعيدة المدى، تستحضر اللحظة الآنية وتؤطرها في صيرورة و تطور بعيد المدى.

ونحن إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد حقائق مذهلة عن الحضارات الإنسانية السابقة، وما تلمح إليه من تقدم علمي و تكنولوجي. ولعل الأبحاث الجارية منذ مدة عن الحضارات والشعوب السابقة في أمريكا اللاتينية، ومصر، والممالك الغارقة في البحار المحاذية لآسيا، وغيرها من الحضارات المطمورة في أوروبا وإفريقيا، لتجعل من الحقائق القرآنية بشأن هذه الشعوب و الحضارات ذات مصداقية علمية كبيرة، فضلاً عن كونها تفتح آفاقاً جديدة لما يمكن الاصطلاح عليه بعام إناسة قرآني، سيسفر البحث فيه عن حقائق مذهلة تقلب كل المعادلات الراهنة، المستندة إلى وقائع جزئية، ورؤية آنية، وأنا متضخمة، وغرور مرضي، معطل للعقل، ومقيد للفكر.

وواصل د. الضاوي حديثه قائلاً: "إننا سنحيل في هذه العجالة على بعض الإشارات القرآنية التي تحتاج إلى مزيد البحث والنظر، و لعلها تحفز طلبتنا للنهوض بمتطلباتها في إطار أعمالهم العلمية التي يزمعون القيام بها: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد* إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد* ....}[2], {ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً وسخرنا مع داود الجبال...}[3], {وعلم آدم الأسماء كلها..}[4], {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة...}[5].

إن الإنسان منذ أنزله الله تعالى إلى هذه الأرض لعمارتها، و السعي فيها إصلاحاً لا إفساداً، وهو يتعلم ويتدرب، و يكتسب خبرات ومهارات، ومعارف وعلوم، يتوارثها ويؤسس عليها إضافات جديدة ينقلها إلى الأجيال اللاحقة، وبذلك تطورت مسيرة العلوم والتقانة، وقد مكنته اللغة من ذلك، فلولاها ما أمكنه تناقل التجارب والخبرات والعلوم، ولكان لكل واحد منهم تجربته وخبرته تبدأ معه وتموت بموته، ومن هنا نفهم كيف جعل الله تعالى تعليم آدم ـ عليه السلام ـ الأسماء سبباً من أسباب التكريم يضيف إلى اللغة طرقا أخرى وظفها الإنسان في التعلم والتدريب ونقل التجارب والخبرات، متمثلة في المحاكاة، والملاحظة، والتجريب، وتكرار التجارب عن طريق التدريب، والتلقي، والعرض، كلها وسائل تربوية ابتكرها الإنسان منذ كان أنزله الله تعالى الأرض، وأناط به عمارتها، وأعطاه العقل، والحرية، والإرادة، والزمان، ليتعلم وينتج العلم والمعرفة والتقانة، ويتمكن من الحرف والمهن التي لا تقوم الحياة بدونها، فأبدع وأنتج، وبنى وعمر.

ثم اختتم هذا التنظير بقوله: ما ذكرناه يتعلق بالإطار النظري العام، الذي يحتاج إلى تعميق البحث فيه نظريا وتطبيقيا، لاكتشاف حقائق تتعلق بالمسيرة العلمية للإنسان باعتبارها صيرورة بشرية, ساهمت فيها كل شعوب الأرض من لدن آدم ـ عليه السلام ـ إلى يومنا هذا، ولا عبرة بآراء تنزع نزعة عنصرية، أو سياسية، تنزع إلى الهيمنة والسيطرة.

ويمكننا في هذه العجالة أن نشير إلى تجربة تربوية رائدة قام بها كونتليان الروماني ولد سنة 35 قبل الميلاد، الذي ابتكر الوسائل التعليمية، حيث كان يصنع نماذج للحروف والأرقام من العظام يلعب بها الأطفال، ويستعينون بها على تعرف أشكالها، كما أسس مدرسة لتعليم الخطابة، اعتمد أسلوباً تعليمياً يزاوج بين التنظير والتدريب، ويعتمد الخطوات التالية:

- التفكير: أن تجد ما تقوله "إبداع الأفكار".

- التنظيم: معرفة تنظيم ما تريد قوله "المنهج".

- الأسلوب: اختيار أسلوب لما تريد قوله "التعبير السليم عن الأفكار".

- الذاكرة: حفظ ما يتعين قوله "التوثيق".

- الإلقاء: المزاوجة بين القول والحركة "الإنجاز".
كما نجد اليونانيين قد ابتكروا ما يمكن الاصطلاح عليه بمقدمات العلوم Propédeutique , وهو التعليم الذي يسهل تعلم أشياء أخرى في المستقبل، فهو نوع من التعليم التأهيلي لدراسة علم ما، أو مجموع المعارف التي تكون قاعدة لتعلم علم ما. ولا يخفى ما لمقدمات العلوم من دور كبير في التأهيل العلمي بالنسبة لطلبة العلم، ومن ثم احتلت دوراً بارزاً في التأليف لدى المسلمين.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] التين: ٤ – ٥

[2] الآيات الفجر: ٧ - ١٤

[3] الآيات الأنبياء: ٧٩ – ٨١

[4] البقرة: ٣١

[5] النساء: 1