جبل الله خلقه على تناقل العادات و محاكاة بعضهم البعض، و جعل في كل امرئ نزعة تميز تُباينُ غيره في كل النواحي، و لكنه سبحانه و تعالى لم يجعل أداة التقليد متاحة مفتوحة، و إنما كانت الشريعة مُقيِّدة لهذه المحاكاة، فندبت أول الأمر إلى اتباع الرسول -عليه الصلاة و السلام- و محاكاته. وهو عليه الصلاة و السلام أهل للاتباع و التقليد؛ لأنه معصوم من عند الله، و لأنه صاحب الخلق العظيم، و الشأن الرفيع.
و مع ذلك كان على المسلم أن ينشد التميز في شخصيته، و طريقته و شؤونه، و أن يكون صانعًا للقدوة، يجعل غيره يقتدي به لما فيه من الخِصال الحميدة، و إننا كما ننادي بالاقتداء بالأخيار و المبدعين و أصحاب الهمم، فإن علينا أن نصنع من أنفسنا قدواتٍ لغيرنا، بعلمنا و أخلاقنا و طريقتنا في الحياة، و هذا المطلب يجعل الإنسان يحتاط عند كل تصرف، و ينقبض متأملاً قبل كل إجراء، ثم يدرسه و يمحصه قبل تنفيذه.
إن تسويق الذات هو أن تجعل شخصيتك محلاً للاقتداء؛ بأخلاقك، بعلمك، بثقافتك، بمهاراتك الاجتماعية و العملية، و كأنني أستشف هذا المعنى من قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74]، هكذا هم عباد الرحمن يسألون الله تعالى أن يكونوا أئمة للمتقين، يُحتذى بهم، و يُسار على نهجهم و طريقتهم لإقامة الدين و الدنيا.
و لمن سوَّق ذاته، و جعلها قدوة للآخرين عظيم الأجر إذا كان من أهل السبق إلى الأمور العالية، و الصنائع الفاضلة، و لهذا قال النبي الكريم صلوات ربي و سلامه عليه : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً". أخرجه الإمام مسلم.
هكذا نكون أهلاً للعطاء، ولو لم نتحدث، أو نتكلم، أو نخطب، أو نكتب.. نكون أهلاً للاقتداء بروعة أخلاقنا و منطقنا، و نؤثر في الآخرين مما يجعلهم يُحاكون إيجابياتنا طواعية و تلقائية.
إنها دعوة لكل قارئ أن يتبوّأ هذه المكانة، و أن يبدأ من الآن بتسويق ذاته، و يستحيل أن يتم التسويق إلاّ ببضاعة تستحق التسويق و الرواج بين الناس.
فلنحسن بضاعتنا التي هي ثقافتنا و أخلاقنا و منطقيتنا، لنروج الصفات الحميدة و نكون أهلاً للعطاء