الحقيقةُ هي الشيء الوحيد الذي لا يصدِّقُه الناس.
سؤال تجب الإجابة عنه وهو: لماذا نخدع أنفسنا ونعلم أننا نخدع أنفسنا، وإذا خاطبنا الناس في هذا الأمر نظن أنهم يتكلمون عن أناس غيرنا وشخصيات غير شخصياتنا؟!
ليس هذا وحسب، بل نؤكد على ضرورة تغيير طبائع هؤلاء الذين يخدعون أنفسهم؛ حتى يتم لهم التطوير والنهضة والتميز و....!!!
وصلنا إلى مرحلة أننا نعيش وداخلنا عدة أقنعة، أقنعة جاهزة قمنا بإعدادها، وبمنتهى الإتقان والحرفِيَّة نضعُها على وجوهنا، نستخدمها في حينها وأوقات ما نحتاج إليها وبسرعة رهيبة، هذا قناع السلبية، لحظة ليستبدل بقناع الشهامة والمروءة، فجأة وفي نفس التوقيت قناع النكد والغمّ والانفعال غير الطبيعي، مع التسلط والتبرير لكل ما يعانيه الفرد في حياته وعمله ومع أسرته، لقطة أخرى من نفس الفيلم وفي تناقض واضح للجميع إلا لبطل الفيلم، وهو أنت تجده يزيح ما يواجهُه من ضغوط ليلقيها على أولاده وزوجته ليتسلمها أحدهم في شكل صياحٍ أو تعنيف، وقد يصل إلى حد الضرب كثيرًا وليس أحيانًا، لقطة سريعة من بطل الفيلم وقد عاش في قناع الخيال بأن الأمور ستسير بمنتهى الهدوء، وأن المشكلات سيتم حلها بقدرة قادر، فإذا ما سألته كيف وأنت جالس في مكانك لم تتحركْ ولم تأخذْ بالأسباب تسمع أقوالًا ما أنزل الله بها من سلطان، كيف يتم هذا على مسرح الأحداث؟

هذا أنت على مسرح الحياة

يجب أن نعرف بدايةً ما هي الشخصية، فالشخص في اللغة العربية هو: سواد الإنسان وغيره من بعد. وتشاخص القوم أي اختلفوا وتفاوتوا، والشخصية كلمة حديثة الاستعمال غير موجودة في أمهات الكتب العربية، فإذا وجدت في بعض الحديث منها، فهي تعني: صفات تميز الشخص عن غيره، وكان استعمالها قائمًا على معنى الشخص أو على معنى كل ما في الفرد مما يؤلف شخص الظاهر الذي يرى من بعد وعلى مفهوم التفاوت، وفي اللغة الإنجليزية والفرنسية فكلمة الشخصية PersonaLiTy, PersonaLite مشتقّة من الأصل اللاتيني persona وتعني هذه الكلمة (القناع) الذي كان يلبسُه الممثل في العصور القديمة حين كان يقوم بتمثيل دور، أو حين كان يريد الظهور بمظهر معيَّن أمام الناس فيما يريد أن يقوله أو يفعله، وقد أصبحت الكلمة على هذا الأساس تدل على المظهر الذي يظهر فيه الشخص، وبهذا المعنى تكون (الشخصية) ما يظهر عليه الشخص في الوظائف المختلفة التي يقوم بها على مسرح الحياة.

والسؤال الآن: ما العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية؟

هناك عوامل جسميَّة: فالأفراد يختلفون بعضهم عن بعض في التكوين الجسمي، وهناك مَن يظن أن هذا الاختلاف في المظهر الجسمي كالطول والعرض وضخامة الجسم له علاقة بالشخصية، ولكن أثبتت الدراسات وجود ارتباط ضئيل جدًّا في تحديد ملامح الشخصية، وضعيف في تشكيل أبعادها النفسية.
وعوامل نفسيَّة: وهي العوامل المكونة للنفسية، ويشترك فيها:
أ- التنظيم الإدراكي (العقلي): وهو ما يتعلق بالذكاء والقدرات العقلية الخاصة كالقدرة اللغوية والقدرة الحسابية والقدرة الفنيَّة والعملية، كما يتضمن العمليات العليا كالتصور والتخيل والتذكر والمهارات العقلية المكتسبة التي ترتبط بمواقف التعلم والاكتساب.
ب- التنظيم الوجداني (الانفعالي): ويتضمن أُسس السلوك البشري ودوافعه والعواطف والميول والاتجاهات.
وعوامل بيئية: حيث تؤثر البيئة المحيطة بالفرد تأثيرًا كبيرًا في نمو الشخصية حيث العوامل الاقتصادية والتعليم والخبرات والمهارات الاجتماعية والمعرفية المختلفة والعمل الذي يؤديه الفرد والمهنة و..... كل هذا يؤثر في سلوك الفرد وفي اكتسابه للعادات الفكرية والحركية والنواحي الخلقيَّة، خاصة فيما يتعلق بخلق وتقاليد المهنة.
كل هذا يؤثر بلا شك في شخصية الفرد.
وتخرج من كل هذا تصرفات معبرة عن شخصيات متعددة، فتجد:
- الشخصية الطبيعية: وهي التي يجمع صاحبها في نفسه معدلًا متوازنًا من الصفات الإنسانية التي يقبلها المجتمع.
- الشخصية الانطوائية: وهي التي تميل إلى تحاشي الاتصال بالمجتمع.
- الشخصية الانسحابية: وهي التي تنسحب من المشاركة في المواقف الاجتماعية.
- الشخصية المتقلّبة: وصاحبها متقلّب المزاج في الشعور والعاطفة، لا يستقر على صورة ثابتة.
- الشخصية القلِقة: وصاحبها يشعر بعدم ارتياح ويتوقع الخطر من مصدر غير واضح.
- الشخصية التسلّطية: وتتسم بالعناد في الرأي والاهتمام بالتفاصيل، ولديه قدر من التسلط الفكري والعمل الإلزامي.
- الشخصية الشكّاكة: وهي التي تسعى إلى التحرّي وعدم تقبل أفكار الآخرين، والتشكيك في كل ما يدور حولها.
- الشخصية الانفعالية: وهي سريعة التأثر والانفعال الظاهري؛ مما يؤدي إلى زيادة الحركة أو العنف الكلامي أو الفعلي.
- الشخصية العاطفية: وتتعامل مع الحياة بالعاطفة أكثر من العقل، صاحبها شديد الحساسية مرهف الحس.
وليس هذا وحسب، فقد تجد بعض الشخصيات التي تظهر بدافع من أفكار ضاغطة أو عوامل ثقافية معينة تتميز ببعض العادات والقِيم المختلفة، فقد تجد:
- الشخصية النكدية: مهما يكن الموقف مبهجًا ومسليًا ويدعو إلى التفاؤل والأمل والانشراح، هذه الشخصية تحيل الموقف إلى حزن وهم وجزع، إما باختلاق المواقف المحزِنة التي تثير الإحساس أو إطلاق التهكمات على الذين أسكرتهم الغفلة ففرحوا أو بالابتعاد والانطواء، هذه الشخصية النكدية قد يرجع سلوكها هذا على مسرح الحياة إلى العناصر الآتية:
- الإحساس بالعجز عن مسايرة من حولها والتفاعل معهم.
- عدم وجود علاقات اجتماعية مع الغير.
- فقدان الإحساس بالحياة، فكل ضحك بالنسبة إليه عبارة عن بكاء وعويل، وكل نشوة وفرح تنقلب إلى هموم وأحزان؛ لأنه يتوقع حدوث الكوارث.
- ضعف الإرادة وعدم القدرة على تحمّل الإحباط.
إنها شخصية تتوقع دائمًا الشرّ وتخاف الفقر والمرض، وتتطلع دائمًا إلى ما يحميها من الأذى.
إنها شخصية:
- عاجزة عن الاندماج والتفاعل مع الغير.
- تميل إلى تهويل الأمور أكثر مما ينبغي.
- لا تستطيع مواجهة المشكلات والأزمات.
- تحاول دائمًا أن تسترجعَ ما يؤلمها من ذكريات وأحداث.
- لا تحبّ المرح والتفاؤل وقدرتها على تحمل الإحباطات ضعيفة.
- لا تعتقد في الإرادة والعزيمة بل تؤمن بالحظّ والنصيب.
- لا تثق في الآخرين وتعاملهم بشكّ وخوف، وتتوقع الأذى من الآخرين.
- المستقبل بالنسبة لها مظلم.
الشخصية البحبوحة:
إنها تعيش مع الأمل، على أساس أن الأمل خبرة مَعيشة، تحاول أن تتجاوز الحاضر، والإسهام الفعّال في صنع مستقبل أفضل، ويدفعها هذا إلى الإنجاز.
وهي هنا تعتمد على مجموعة من الخصائص، هي:
- التقدير السليم للظروف.
- التفاعل مع الآخرين بثقة ومودّة.
- الإقبال على الحياة بمرح وانشراح.
- يوميًّا تحاول أن تكتشف أسبابًا جديدة للحياة.
- تتجه إلى كل ما من شأنه أن يحقق لها أسباب التواصل مع الحياة والآخرين، فلا تعرف إلا الثقة في التعامل والمحبة في المعاشرة والتفاؤل في تناول المشكلات والإرادة الواعية في مجابهة الظروف والمواقف، والتعامل معها بمرونة وفهم وتقدير واقعي وموضوعي.
- لا تميل إلى استعادة ما يؤلمها من ذكريات سابقة.
- تشارك بفعالية في الخدمات الاجتماعية.
- تتميز بالاستقرار الانفعالي.
أما الشخصية السوية من وجهة نظر القرآن الكريم فهي التي تستند على ركائز وخصائص، أما الركائز فهي:
- الإيمان بالله تعالى ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه.
- العبودية لله وحده.
- ذكر الله وطلب رحمته.
يستمدّ ذلك من القرآن الكريم لقوله عز وجل: "رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ" (آل عمران: 9)، وقوله: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ" (الحج: 6-7)، وقوله: "مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور" (الحديد: 22، 23)،وقوله: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (الأنفال: 2).