عند المساء، تبدأ معاناتي اليومية في البحث عن خيوط النعاس التي لا أفلح في التقاطها إلا وقد أنهكتني الذاكرة من التفكير في أمور حدثت وأخرى لم تحدث.. البارحة انصب التفكير حول عنوان آخر لم يكن في الحسبان، انصب حول أنوثة المرأة ومقومات جمالها.
بدأت البحث من داخلي عما أريده في أنوثتها، وبدأت أسترجع بعض ذكرياتي عن بعض الأصدقاء خلال أيام الجامعة أو في أماكن العمل والذين طرحوا آرائهم في هذا الموضوع، وهل كنت أؤيدهم أم انتقدهم.. كانت الإشارات جميعها تلف وتدور في فلك جمال المرأة من جسدها إلى شعرها إلى ثغرها، وعيونها، وحتى نعلها.
ولكن أنوثة أغلب هؤلاء الفتيات كانت تضيع في علو صوتها، أو طول لسانها، أو قلة احترامها، وكنت موقناً أن جمال المرأة ليس في جسدها أو ملامحها لأن الأنوثة شيء داخلي وليس ظاهرياً، وكما يقال: “الجمال.. جمال الروح وليس الشكل”.
توقفت قليلاً وقلت في نفسي: “إذا كان جمال المرأة يأتي في المرتبة الثانية بالنسبة لي، فمن سيكون الفائز بالمرتبة الأولى”.. بدأت أصول وأجول في أرجاء الغرفة المظلمة بحثاً عن إجابة شافية، فوجدت أن الحياء هو السمة التي طغت على جل تفكيري، نعم الحياء فمن كانت هذه الصفة ملازمة لها ازداد جمالها، كما يخبرنا المثل الياباني “حياء المرأة أشد جاذبية من جمالها”،
والحياء يدل على ما في نفس المرأة من خير، وهو إمارة صادقة عن طبيعتها ليكشف مقدار أدبها، ويترتب على حياء المرأة القول الطيب والفعل الحسن والعفة والنزاهة، وأعتقد أن انجذاب الرجل إلى المرأة تحكمه علاقة طردية بحيائها، فزيادة الحياء يزيد من إعجاب الرجل والعكس صحيح.
ولكن هناك من يخلط بين الحياء والخجل، والكثير يضعونهما في نفس الخانة، ولكن أعتقد أن الخجل هو نقيض للحياء، فالخجل شعور بالنقص يعتري الإنسان، ومرده إلى ضعف التربية، في حين أن الحياء خُلق يحمل على إتيان الحميد ونبذ القبيح، ويقال: “من كسا الحياء ثوبه، لم يرى الناس عيبه”. والحياء يجمل كل فرد ولكنه في حق المرأة أكثر إلتصاقاً.
تنبهت فجأة إلى أن الساعة تجاوزت الرابعة صباحاً، وغداً يوم عمل بالنسبة لي، لابد أن أكون في تمام التاسعة في المكتب، ودعت أفكاري على عجل واعداً إياها بأن للحديث بقية، ونمت قرير العين.. عند الصباح كعادتي الشبه يومية صحوت متأخراً، وارتديت ملابسي على عجالة وتوجهت إلى عملي، ولسوء الحظ الازدحام اليومي كان عاملاً آخر في تأخري أكثر عن العمل، دخلت المكتب ألتفت ميمنة وميسرة حتى لا تشاهدني مديرتي، وصلت باب مكتبي وأمسكت بمقبض الباب، وإذ بصوت غليظ يلف المكتب ويقول: “شمستك عالية أستاذ.. ليش متأخر ربع ساعة “.. فأجبتها باستحياء: “عذراً.. ولكن المنبه خانني اليوم أيضاً”