الأفكار
هي حركة العقل الباحث عن حل لمشكلة

في الداخل .
وهذا في الاساس ، فربما طَلب منا
أحد أن نفكّر أو إقتضت الوظيفة ذلك ،
هذا الدافع ليس ذاتياً ولكنه يُحرّك
دوافعاً ذاتية لأجله ، فلو لم يفكّر الموظّف
في عمله وينفّذ
العمليات العقلية المطلوبة من رؤسائه ،
لسُرّح من العمل ، وهذا يحرّك الدوافع
الداخلية التي تتعلّق بالجوع
والإعتبار الإجتماعي .. إلخ ، إذاً فأساس
التفكير بشكل عام هو ذاتي ،
سواء كان الدافع مباشراً أو غير مباشر .




وكل حاجات الشعور الإنساني الكثيرة
بشكل عام تبحث عن الخير ليس
فقط لأنفسنا كما قلت ، بل الخير والحق
والجمال مطلقاً ولذاتها ،
لنا ولغيرنا ، أرأيت الذي يساعد
بدافع الرحمة أحداً لا يمكن أن يستفيد
من وراءه شيئاً ؟ هل هو يبحث عن
الخير لنفسه الآن ؟ إنه يخدم الخير
اساساً ، لكي يحق الخير كحقّ ، ويبعد
الشر كشرّ ، وهذا الكفاح الطويل
للشعور الإنساني غايته هي الفضيلة ،
لكي يوصلها كأمانة إلى رب الفضيلة
عندما يموت الإنسان الذي حملها ،
وهذه المهمة ينيطُ بها الشعور
للعقل ، لأنه هو وسيلة الإتصال
مع العالم الخارجي ..




ودوافع الإنسان في الاساس هي
لأجل الخير ، سواء للإنسان أو ضد
مصلحة الإنسان ، ارأيت الذي يضحيّ
بوقته أو ماله أو نفسه من أجل الفضيلة ؟
إذاً دوافعنا هي تريد الخير وأن ينتصر
على الشر على ظهر الأرض ،
دوافعنا ترى أننا أفراد مثل غيرنا أمامها
وبدون محاباة لنا ، ومن حقهم
ان ينالهم الخير ، ومن ضمنهم نحن أيضاً ،
لهذا نتعذّب كل مرة عندما نُدرك أننا أنانيّون .


فالعقل بوسائله يبحث عن حل للمشكلات
التي يعرضها برلمان الشعور ،
كلما احضر حلا عرضه على الشعور
ولم يقبله تُعاد المعاملة مرة أخرى إلى العقل
، فإن جاء بجديد فسيطالبه الشعور
بالكمال ، وهذا ما يسمى بالعقل التطوير
أو الديالكتيك ، وإذا لم يأت العقل
باي جواب ، فإن السؤال يظل مطروحاً
ومعلّقاً يدور حول الراس مع غيره من
الأسئلة التي تدور حوله وبشكل
مستمر ومزعج ، وهذا ما يسميه الناس
أفكاراً مزعجة ؛ لأنها في الحقيقة
أسئلة مزعجة – أي : طلبات - لم يقدّم
العقل لها جواباً شافياً ،
وهذه الحالة تشبه حالة الملحد المضطر
وليس المختار ، فتجده يعاني من
زحمة الاسئلة التي تزعجه وتنغّص
عليه حياته ،
ويقول : بحثت في الدين
ولم أجد ، وفي الفكر الآخر فلم أجد ،
وهكذا ..




أما الملحد المختار فهو يبحث
عما يؤيد اختياره ، ويتغاضى عمّا
يعارض إختياره ، فهو ليس باحثاً حقيقياً ،
بل هو مختار ويبحث عن ما يؤيده ..



إذا ً مصدر الافكار كما تفضلت أنت
هو من دواخلنا ، والعقل يحاول أن يُجيب ،
فإما أن يأتي بجواب شافي فينتهي
التفكير في هذا الجانب ،
أو يأتي بجزئية فيطلب الشعور التكميل ،
أو ألا يستطيع العقل أن يجيب
فيظل السؤال معلّقاً مع طرح البدائل
المرفوضة ، والاستمرار في طرحها
على الشعور وهو يرفضها ، مثل
من يحاول اقناع نفسه بفكرة وهو يرفضها
من الداخل ، لأسباب : إما أنه وُهِّم
أن هذا هو العلم ، كما يحصل في
ضغط الداروينيين بحجة العلم ، أو ضغط
بعض الدينيين بحجة الدين
وعقاب المخالف ، أو بأية حجة أخرى .




ففي مثل هذه الحالة يعاني الشخص
من التفكير المزعج ، وهو في أساسه
أسئلة كما قلت ، والاسئلة مبنية على
حاجات في الشعور الإنساني ،
الذي هو اساس الإنسان وليس العقل ، فالعقل
خادم لهذا الشعور ،
مثل أن يعطش الإنسان فيفتش العقل
عن مصدر ماء ، فإذا وجد الماء
عَرَضَه على الشعور عن طريق الحواس ،
فإن لم يعجبه منظر الإناء
أو وجد فيه قذى فربما يرفضه ، أو يقول :
إبحث عن ماء أفضل
من هذا ، فيستعمل العقل وسائله
الداخلية والخارجية والوسطى ،
والوسائل الداخلية مثل الذاكرة ، فيتذكر
أن هناك مكانا يُباع فيه الماء النقي ،
أو يستعمل الوسائل الخارجية كأن يبحث
بعينيه عن مكان أو محل ،
والوسائل الخارجية ذاتية أو غيريّة ،
كأن يسأل غيره أو يبحث في
معلومات مكتوبة أو عناوين ، أو يستعمل
الوسائل الوسطى مثل
التداعيات ، بحيث يقع بصره على شيء
يذكّره بشيء آخر موجود في ذاكرته
عن طريق التشابه أو الضديّة ،
فما رآه هو شيء خارجي ذكّرَهُ بشيء
داخلي في ذاكرته ..



والتفكير إرادي أو لا إرادي ،
والتركيز هو التفكير الإرادي ، والتداعيات
هي تفكير لا إرادي ، فتجد نفسك وجدت
حلاً لمشكلة وأنت لم تُرد
التفكير الإرادي فيها . وبهذه الطريقة يحمي
الشعور نفسه من المشاعر المؤلمة ،
فالتداعي يحرّك الإنسان حتى لا يظل تحت
اسر شعور واحد ،
إفترض مثلاً شعور الحزن ، لو استمر الإنسان
عليه ولم يعمل التداعي لربما مات من الهم .